العلامة المجلسي
114
بحار الأنوار
تراجمة مشيته ، وألسن إرادته عبيدا لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون . يحكمون بأحكامه ويسنون سنته ويعتمدون حدوده ، ويؤدون فروضه ولم يدع الخلق في بهم صماء ، ولا في عمى بكماء ( 1 ) بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم ، وتفرقت في هياكلهم . حققها في نفوسهم واستعبد لها حواسهم ، فقرت بها على أسماع ونواظر ، وأفكار وخواطر ألزمهم بها حجته ، وأراهم بها محجته ، وأنطقهم عما تشهد به بألسنة ذربة ( 2 ) بما قام فيها من قدرته وحكمته ، وبين بها عندهم بها ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم بصير شاهد خبير . وإن الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين لا يقوم أحدهما إلا بصاحبه ليكمل أحدكم صنعه ، ويقفكم على طريق رشده ، ويقفو بكم آثار المستضيئين بنور هدايته ، ويشملكم صوله ( 3 ) ويسلك بكم مهاج قصده ويوفر عليكم هنيئ رفده . فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه لتطهير ما كان قبله ، وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله إلى مثله ، وذكرى للمؤمنين ، وتبيان خشية المتقين ووهب لأهل طاعته في الأيام قبله ، وجعله لا يتم إلا بالايتمار لما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه والبخوع بطاعته فيما حث عليه وندب إليه ولا يقبل توحيده إلا بالاعتراف لنبيه صلى الله عليه وآله بنبوته ، ولا يقبل دينا إلا بولاية من أمر بولايته ، ولا ينتظم أسباب طاعته إلا بالتمسك بعصمه وعصم أهل ولايته .
--> ( 1 ) البهم - كصرد - مشكلات الأمور ، والصماء أيضا الدواهي الشديدة حيث لا يوجد منها مناص ، والمراد بالعمى الضلال والشبهة والالتباس ، والبكماء : التي لا ينطق واستغلق عليه الكلام . ( 2 ) الذرب : الحديد من اللسان أو السيف . ( 3 ) كذا والصول : الاستطالة والسيطرة ، فليحرر .